مُلخَّص: يمكن القول إنَّ المسيحية الأُرثوذكسية تشكِّل الأساس المشترك للطَيف الثقافي الروسي بأكمَلِه، فمعظم الرُوس يشعرون بالتقارب مع التقليد المسيحي الشرقي، والتَّماهي معه بدرجاتٍ متفاوتة. وبالتالي، فإنَّ الأُرثوذُكسيَّة لها حتماً تأثيرٌ عميقٌ على المجتمع الروسي. ومن جهةٍ أخرى، فالكنيسةُ الروسية لا تصفُ نفسَها كقوةٍ سياسيةٍ نشِطة، بل على العكس مِن ذلك، فموقفُها أنَّ الكنائس مؤسسات روحيَّة مُفارقةٌ لعالم السياسة. ومع ذلك، فلا يزال للكنيسة تأثيرٌ كبيرٌ على النُخَب السياسية.

في هذا السياق، أخذت “المسألة الأُرثوذُكسية” تنمو باطّرادٍ في روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي، لتصبحَ أداةً طيِّعة في يد الحكومة الروسية لاستخدامها مِن أجل الترويج للقيَم الأيديولوجية التي تعكس بوضوحٍ سياستَها الداخلية والخارجية في المجتمع الروسي. وأصبحت سوريا الآن المكان الأمثل للاستفادة مِن “العنصر الأُرثوذكسي”. هذا التحليل لن يعلق على ما إذا كان الهدف الحقيقي مِن العملية العسكرية الروسية في سوريا هو حماية السكان المسيحيين في سوريا أم لا، فليس هذا هو الموضوع. ومع ذلك، فلا شكَّ أنَّ الكرملين يستخدم حماية السكان الأُرثوذكس في سوريا بكثافةٍ لتبرير هذه العملية العسكرية أمام شعبها. وبالتالي، تستخدم القيادةَ الروسية الديانةَ الأُرثوذكسية، كعنصرٍ أساسي مِن عناصر الهُوية الروسية الحديثة، لشرعنةِ ممارساتِها في سوريا.

الدور التاريخي للمسيحية في الشئون الخارجية الروسية

إنَّ فكرة الدعم المعنوي والمالي للمسيحيين في جميع أنحاء العالم مألوفةٌ جدّاً لدى الكنيسة الروسية، ولروسيا نفسها أيضاً. وفي الحقيقة، إنَّ تطلعات الحكومة والكنيسة الروسيتان تتوافق في الرغبة في الحفاظ على وحدة ورخاء المجتمع الأُرثوذكسي العالمي. فمِن وجهة نظر الكنيسة الروسية، أيُّ نوعٍ مِن المساعدات للمسيحيين المُنتكسين حول العالم بلا شكٍّ أمرٌ إيجابي. وهو ما يعكس بوضوحٍ المهمة التاريخية لروسيا كدولة “كاتشونية”، والتي كانت أقوى سُلطة أرثوكسية خلَفَت الإمبراطوية البيزنطية لتولِّي حماية المسيحيين الأُرثوذكس في جميع أنحاء العالم.

يتواجد المسيحيون الأُرثوذكس خارج روسيا بشكلٍ كبيرٍ في كلٍّ مِن البلقان والشرق الأوسط، وفي الشرق الأوسط يتواجد معظمهم في بلاد الشام وجنوب شرق تركيا. وخضعَت هذه المناطق للحُكم التركي منذ القرن الخامس عشر الميلادي وما بعده، وذلك نتيجةً لغزو القسطنطينية والتوسُّع التركي لاحقاً. وهذا هو السبب الذي يجعلنا نستطيع أن نربط بشكلٍ معقول بين روسيا والكنائس الأُرثوذكسية الشرقية في ضوءِ الصراع الروسي العثماني. فمنذ القرن السابع عشر الميلادي وحتى نهاية الإمبراطورية الروسية، كانت هناك حروباً بشكلٍ منتظم بين روسيا وتركيا للسيطرة على بعض المناطق التابعة للإمبراطورية العثمانية، حيث يعيش السكان المسيحيون الأصليُّون (في المقام الأول البلقان وجورجيا وأوسيتيا في منطقة القوقاز).

ويرجعُ مفهوم حماية الكنيسة الأُرثوذكسية في الإمبراطورية العثمانية إلى أنَّ روسيا كانت أهم سُلطة سياسية أُرثوذكسية في ذلك الوقت، حتى أنَّه تم رسميّاً إعطاء روسيا الحق في الإشراف الجزئي على حقوق المسيحيين بإحدى مواد معاهدة كيتشوك كاينارجي في عام 1774 ميلاديّاً. بعدها نشبَت معركتان تُظهران تماماً الميلَ التقليدي لروسيا لدعم إخوانهم في الإيمان في عهد نيكولاي الأول (1825-1885م). قامت الأولى بعد اندلاع حرب الاستقلال اليونانية (1821 – 1830م)، وشنَّتها روسيا دفاعًا عن الأمة الأُرثوذكسية اليونانية في نضالها ضد ما كان يُنظَر إليه كحُكمٍ تركي قمعي. أما المعركة الثانية، فهي التي تُعرَف تاريخياً بحرب القرم (1853-1856م)، وانتهت بمعاهدة باريس (1856م) التي خضعَت لها روسيا بشروطٍ غير ملائمة إطلاقاً.

ومما له دلالة هنا، أنَّ الدافع وراء إعلان روسيا الحرب على الإمبراطورية العثمانية كان إهانة السلطان العثماني للمسيحيين الأُرثوذكس، حين نقلَ مفاتيح كنيسة المَهد في بيت لحم إلى الكاثوليك، في تجاهلٍ تامٍّ لحقوق الكنيسة الأُرثوذكسية في الأرض المقدَّسة. وهذه السابقة التاريخية النموذجية مهمة جداً، فهي تُظهر بوضوحٍ أنَّ روسيا بدأت هذه الحرب غير الضرورية مِن أجل أبناء دينهم لا أكثر. ومِن الواضح أنَّ السياسية الخارجية التقليدية لروسيا تشمل الحماية الدائمة للمسيحيين الأُرثوذكس في المناطق التي يمكنها بسطَ نفوذها فيها.

وينبغي هنا التأكيد على أنّ الدور الروسي في حياة الأُرثوذكس في بلاد الشام كان أقلَّ نشاطاً بكثيرٍ منه في البلقان أو القوقاز. ومع ذلك، ظلت الروابط بين الأثوذكس العرب والإمبراطورية الروسية قويةً إلى حدٍّ كبير. ونتيجةً لذلك، كانت تُرسَل المساعدات المالية في شكل الصدقات والإحسان الملَكي بانتظامٍ إلى الكنائس الأُرثوذكسية الشرقية خلال عهد إيفان الرهيب (1534-1584م)، وكانت الكنيسة الأُرثوذكسية في أنطاكيا (العربية) مِن بين المُتلقِّين. فعلى سبيل المثال، سجَّل المؤرخون تبرعاتٍ لم يسبق لها مثيلٌ مِن مبالغٍ نقديةٍ كبيرة قدَّمها إيفان الرابع، أمير موسكو وأول قياصرة روسيا، إلى جميع البطاركة الشرقيين في سبتمبر/ أيلول عام 1558 ميلاديّاً، وذلك مِن خلال كاهن بالكنيسة الشرقية يُدعَى غينادي، وتاجر يُدعَى فاسيلي بوزنياكوف. ومِن المفترض أنَّ هذه الصلة الوثيقة بين روسيا والكنيسة الأُرثوذكسية الأنطاكيَّة بدأت بعد زيارة يواخيم داو، بطريرك أنطاكيا، لموسكو عام 1586 ميلاديّاً، وحينها ذكر المَطران عيسى، أحد رفقائه بالزيارة، أنَّ يواخيم كان سعيداً بجمال موسكو وسِحر محكمة تسار.

وكما كتب الروسي المُستعرِب قسطنطين باتشينكو:”وهكذا أغرَت الأساطير المنتشرة حول ثروات موسكو الخرافية عمومَ رجال الدين الشرقيين للسفر إلى روسيا على أمل الحصول على عَطَايا القيصر”. وللحقيقة، فمثل هذه الزيارات كانت نادرةً جداً، ولم تتجدَّد العلاقة بين أنطاكيا وروسيا بانتظام. ومع ذلك، فأثناء هذه الفترة أصبحَت لمشاعرِ الأخوَّة والتعاطف الروسي تجاه الأُرثوذكس العرب نتائجٌ سياسية، بل يُقال إنَّ روسيا صارت خياراً استراتيجيّاً كظهيرٍ جيوسياسي للأُرثوذكس العرب.

وكانت زيارة مكاريوس، بطريرك الكنيسة الأُرثوذكسية الأنطاكيَّة، في منتصف القرن السابع عشر الميلادي إلى موسكو، الحدثَ الرئيسي في تاريخ العلاقات الروسية مع الأُرثوذكس العرب. فقد قضى مكاريوس حوالي عامين في روسيا، وعزَّز العلاقات مع موسكو بشكلٍ ملحوظ، تاركاً ذِكرى طويلة المدى لهذا الحدث في كلٍّ مِن سوريا وروسيا. ونتيجةً لذلك، وُضعت أُسس التفاعلات السياسية والدينية بين البلدين. وعلاوةً على ذلك، بدأت تنشأ حالة من الاحتقان الأُرثوذكسي العربي تحت القبضة التركية، وكانوا يتطلَّعون إلى دعم روسيا السياسي والمالي، في الوقت الذي كانت روسيا في المقابل تستخدمهم كمخبرين عن الوضع السياسي في الشرق الأوسط. ومِن المعروف أنَّ أشخاصاً مِن المجتمع المسيحي الأُرثوذكسي بالأراضي العثمانية هُم مَن كتبوا العديد مِن صفحات تاريخ العلاقات بين روسيا والأُرثوذكس بالمشرق، بما في ذلك الاستخبارات العسكرية والسياسية حول وضع منطقة الشرق الأوسط.

لكن تغيرت هذه السياسة جذريّاً حين أصبح بطرس الأكبر إمبراطوراً لروسيا، فنتيجة تحوُّل اهتمام روسيا إلى الغرب في هذه الفترة تراجعَت علاقتُها بالبطريركيات الشرقية بشكلٍ ملحوظ. وصار هناك وفداً دبلوماسياً روسياً مقيماً بإسطنبول، بما لا يدَع الحاجة إلى هؤلاء المخبرين. ومع ذلك، فلم يتغير نُزوع الكنائس في أنطاكيَا والقدس إلى روسيا. فعلى سبيل المثال، توجد مراسلات بين بارثينوس، بطريرك القدس (1737-1766م)، وأليكسي فيشنياكوف، الروسي المقيم بإسطنبول (1700-1745م)، تكشف عن عقلية البطريرك الموالية لروسيا. ولاحقاً في عام 1882 ميلادياً، أسَّس الإمبراطور ألكسندر الثالث الجمعية الإمبراطورية الأُرثوذكسية الفلسطينية، والتي لا تزال تعمل حتى الآن. وكانت الجمعية في ذلك الوقت منظمةً إنسانيةً مؤثرةً نوعاً ما، ومُموَّلة مباشَرةً مِن خزينة الإمبراطورية الروسية. وكانت مهمتها الأساسية رعاية حج الأُرثوذكس إلى الأراضي المقدسة، والبحث العلمي في فلسطين، وعِلم الاستشراق، والتعاون الإنساني مع شعوب الشرق الأوسط. لذا يمكن وصف هذه الجمعية كرمز لأهمِّ ما أنتجه الوجود الثقافي الروسي في الشرق الأوسط.

ومِن المفارقات هنا أنَّ العلاقة التقليدية بين روسيا والأُرثوذكس في الشرق الأوسط استمرَّت حتى في العصر السوفيتي الإلحادي. فمِن المعروف أنَّ الاتحاد السوفيتي كان يمارس نفوذَه في الشرق الأوسط مِن خلال الأُرثوذكس المتواجدين به. ولعل المثال الأكثر شيوعاً لهذه الظاهرة هو دفاع إلياس كرم، مطران كنيسة القديسَين بولس وبطرس، المُعلَن عن سياسة الاتحاد السوفيتي ووجوده في الشرق الأوسط. ويبدو أنَّ العلاقة بين روسيا والأُرثوذكس العرب بدأت بالفعل في تجديدِ دمائها، فروسيا مرتبطة تاريخياً بشراكة عملٍ وثيقة مع الكنيسة الأُرثوذكسية العربية. وبالنظر إلى هذا التاريخ الحافل بالعلاقات الثنائية التي بدأت قديماً منذ عهد إيفان الرهيب، واستمرت على مرِّ القرون حتى أنَّها بقيَت أثناء العهد السوفيتي، فيبدو أن تجدُّد هذا التعاون أمرٌ حتميٌّ.

دور المسيحيين الأُرثوذُكس في الشرق الأوسط في الشؤون السياسية لروسيا الحديثة

توجد بطريركيَّتان تمثِّلان المسيحيين في بلاد الشام، وهما: بطريركيَّة القدس وأنطاكيا. حيث تمتدُّ ولاية بطريركية أنطاكيا إلى سوريا ولبنان والعراق والمنطقة الشرقية مِن تركيا. وقد نصَّبَت نفسها كالكنيسة الأُرثوذكسية للعرب. وبالتالي، أصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية المستخدَمة في الوثائق والمُفاوضات والتعبُّد داخل الكنيسة. وعلى النقيض من كنيسة القدس، فالغالبية العظمى مِن قيادات كنيسة أنطاكيا لهم أصول عرقية عربية. ويتبَع هذه الكنيسة نحو مليون مسيحي، بينهم أكثر مِن 500 ألفٍ مِن سكان سوريا، ويمثِّلون أكبر تجمُّع مِن المسيحيين في هذا البلد. أيضاً يعيش حوالي 300 ألفٍ مِن أتباع هذه الكنيسة في لبنان، وعددٌ قليلٌ مِنهم منتشرٌ في أنحاءٍ متفرقة مِن تركيا والعراق. أيضاً لكنيسةِ أنطاكيا أتباعٌ كثيرون من الجالية الأثرياء في الخارج (في كلٍّ مِن أمريكا الشمالية والجنوبية وأوروبا وأستراليا)، مما ساعدها لتصبحَ مِن أنشط الكنائس في الجانب التبشيري. وتغطِّي ولايةُ بطريركية القدس كلّاً مِن إسرائيل والأردن والمناطق التابعة للسُلطة الفلسطينية. ونظراً لأنَّ النظام الأبوي نفسُه يوناني، لذا فتقريباً كلُّ الأُسقفية ذوي أصول عرقية يونانية، بينما الإكليروس(رجال الدين المسيحي العاديِّين) ومعظم أبناء الأبرشيَّة مِن العرب. فسبَّب هذا الوضع نوعاً مِن الشِقاق بين مركز وأطراف السلم الكَنَسي ذوي الأصول المتباينة، وتجلَّى هذا في التوتُّر المستمر بين القيادة والمراتب الأدنى بالكنيسة. لكن بشكلٍ عام، تتمُّ الخدمات داخل الكنيسة الأُرثوذكسية الفلسطينية باللغة العربية، وحالياً تضم كنيسة القدس حوالي 200 ألف عضوٍ.

ومنذ أمَدٍ طويلٍ وكنيسَتَا أنطاكيا والقدس تتنافسان في بسط نفوذهم بالمنطقة. فخلالُ القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، كانَتَا في سِجالٍ مستمرة للحصول على الصدقات المَلَكية الروسية.  ومع مرور الزمن لم يتغيَّر هذا الوضع تغيُّراً جوهرياً: بل تفاقمت التوتُّرات حالياً لا أكثر، لوجود نزاعٍ بين بطريركية أنطاكيا والكنيسة الأُرثوذكسية بالقدس حول شرعية أُبرشية كنيسة القدس في دولة قطر، والتي تعتبرها بطريركيَّة أنطاكيا ضمن المناطق الواقعة داخل أبرشيتها. وفي خِضَم هذا النزاع، تبحث بطريركية أنطاكيا عن أي تحالفٍ مع بطريَرك موسكو، في حين تركِّز كنيسة القدس جهودَها نحو التحالف مع كنيسة القسطنطينية. وعِند هذه النقطة يتطابق التوجُّه السياسي للكنيسة الأُرثوذكسية الروسية والحكومة الروسية، حيث أنَّه في الوقت الحالي ترتبط مصالح الدولة الروسية ارتباطاً وثيقاً بوضع المسيحيين الأُرثوذكس في سوريا.

ويمكن إيجاز مصالح الدولة الروسية في سوريا في عدة نقاط رئيسية:

1- البحث عن موطيء قدمٍ إضافي لتقوية وضعها في الشرق الأوسط

يُعَدُّ انحياز ومشاركة روسيا إلى جانب أحد أطراف الحرب الأهلية الدائرة في سوريا مِن نقاط الضعف التي تُحسَب على السياسة الروسية. ويبدو أنَّ هذا يُضعِف مِن موقف القيادة الروسية بشكلٍ كبير، فهي تعتمد بشكلٍ مبالَغ فيه على النظام الحالي في دمشق، والذي يبدو مستقبلُه مُتهافتاً، مما دفع روسيا للبحث عن حلفاء بديلِين في المنطقة. فالتحالفُ مع بشار الأسد، الذي تم بالأساس بناءً على مصالح سياسية مشتركة، تحالفٌ هشٌّ ومصيرُه إلى زوال قريب. حيث يعتمد إلى حدٍّ ما على الوضع السياسي الحالي وتوازُن القوى العالمية. في حين أنَّ تأسيسَ تحالفٍ قويٍّ  مع المسيحيين الأُرثوذكس في سوريا، مبنيٍّ على نفس القاعدة مِن القِيَم الأخلاقية والتقاليد عبر تاريخٍ طويل، سيكون أطول مدىً وأقوى تماسكاً بكثير، إذ يتطلَّب قدرًا أقل بكثير مِن المقايضات وأعتبارات مصلحية أقل. وإذا تحدَّثنا بشكلٍ مجازي، فمثل هذا التحالف مؤسَّسٌ على ركائز خالدة، وبالتالي لا يتأثَّر كثيراً بالظروف الطارئة في عالم السياسة المتغير.

أيضاً يدعم هذا الرأيَ خطابُ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي ألقاه في أبريل/نيسان عام 2015، ليلة عملية القوات الجوية الروسية في سوريا، والذي أعرَبَ فيه بوضوحٍ عن قلق روسيا العميق إزاء وضع المسيحيين المُتفاقم في سوريا، فقال:”وفيما يتعلق بوضع المسيحيين في الشرق الأوسط، فهو مفزِع. وقد أثَرنا هذه المشكلة عدَّة مرات، إلا أنَّ المجتمع الدولي لا يتَّخذ التدابير الكافية لحماية السكان المسيحيين في الشرق الأوسط”. هنا يمكن القول إنَّ هذه الكلمات تؤشِّر إلى واحدٍاً مِن أهم التوجُّهات السياسية الخارجية الروسية في الشرق الأوسط. وكرَّرت الكنيسة الأُرثوذكسية نفسَ الفكرة بشكلٍ عارضٍ سريعٍ، فقد أشار المَطران إيلاريون، رئيس قِسم العلاقات الخارجية للكنيسة، إلى أنَّه ينبغي أن يكون أحد الاتجاهات الرئيسية للسياسية الخارجية هو”الحماية المُمَنهَجة للمسيحيين أينما تعرَّضوا للاضطهاد”. وعلاوةً على ذلك، فحتى أكثر الأهداف النفعية لكلٍّ مِن روسيا ومسيحيِّي الشام سنجدها واحدة، ذلك أنَّ كلَا الجانبين حريصٌ على إبقاء السلطة في أيدي النظام الحاكم العِلماني، فهو القادر على ضمان أخذ حقوق ومصالح الأقليَّة المسيحية بعين الاعتبار.

إلى جانب ذلك، فكنيسة أنطاكيا، بصفتها الممثل الوحيد للمسيحيين الأُرثوذكس في سوريا، تُعَدُّ شريكاً جذاباً لروسيا. ويرجع ذلك على وجهِ الخصوص إلى استقلالها نسبيّاً عن الكنيسة الأُرثوذكسية الروسية والحكومة الروسية، فضلاً عن فاعليتها المعقولة بشأن حماية المسيحيين، والتي تظهر في مشاركتها الفعَّالة في العمليات الإنسانية في الشرق الأوسط. وفي ضوءِ ذلك، دانَت الغالبية العظمى مِن أتباع الكنيسة بولاءٍ شديد لها، وأبقوا على ولائهم حتى داخل مستوطناتهم، حيث الأوضاع المُهدَّدة بالفعل. وترجع إمكانية هذا الأمر لعدَّة أسباب، مِنها دعم الكنيسة المالي والمعنوي، والحث المستمر مِن يوحنا العاشر، بطريرك أنطاكيا، لأتباعِه على البقاء في أراضي أجدادهم، وبالتالي الحدُّ مِن هجرة المسيحيين إلى خارج البلاد، وهو بدورِه أمرٌ مفيدٌ جداً لروسيا. فهذا بشكلٍ أوَّلي يساعد روسيا على حشد الدعم لمهمتها الأخلاقية في المنطقة، وثانياً، لأنَّ هذا النَهج يهييء الفرصة كي تشكِّلَ هذه الفئة مركزَ قوةٍ لروسيا في المنطقة مستقبَلاً.

2- تكوين الصورة التي ترغب روسيا في الظهور بها أمام الطوائف المسيحية في العالَم كمقاوِم ل”الإبادة الجماعية للمسيحيين” في الشرق الأوسط

لقد خلقَت المجزرةُ التي نفَّذها تنظيم داعش تجاه المسيحيين في سوريا والعراق بشكلٍ أساسي ضرورةَ التدخل في جميع أنحاء العالم المسيحي. فقد بدأَت الطوائف المسيحية في توحيد مساعيها، بغض الطرف عن الاختلافات الجوهرية التي أدَّت إلى انفصالهم تاريخيّاً. وفي هذا السياق، فالبيانُ الذي أدلى به كيريل الأول، بطريرك موسكو وعموم روسيا، دالٌّ جداً، ففيه قال:”يجب أن يتَّفِق المجتمع العالمي اليوم على الحرب على الإرهاب، فالأمر لا يجب أن يهمَّ روسيا فقط، بل كلُّ الشعوب. لذا علينا أن نتَّحد لهزيمة الشر، في حربٍ أدعوها بالمُقدَّسة”.

وقوبِلَت دعوة البطريرك كيريل إلى المجتمع الدولي لوضعِ حدٍّ للدماء المسفوكة في المنطقة بمناشداتٍ مماثلة مِن جانب المسئولين الروس، الذين دعوا مسئولي البلدان الأخرى للانضمام إلى مساعيهم في مواجهة هذا “الشر العالمي” الذي تواجهه روسيا في سوريا منذ أكثر مِن عام. وكما يبدو، فإن دعوة البطريرك الروسي لاقَت الاستجابة المَرجُوَّة. وخلال الاجتماع الذي عُقِد في كوبا في فبراير/شباط 2016، ناشد كلٌّ مِن البطريرك كيريل والأب فرانسيس المجتمعَ الدولي إلى “اتِّخاذ إجراءات عاجلة لمنع المزيد مِن نزوح المسيحيين مِن الشرق الأوسط”. ويُعَدُّ هذا البيان المُشترَك تعبيراً رمزياً تاريخياً غير مسبوق عن التضامن بين الكنائس الكاثوليكية والأُرثوذكسية. ومما له دلالةٌ بالغةٌ هنا، أنَّ هذا التوافق بين قُطبي المسيحية في العالم جاء مدفوعاً بقضية المسيحيين في الشرق الأوسط، فهو يثبت أنه يمكنُ لقضية اضطهاد المسيحيين في الشرق الأوسط توحيد المجتمع المسيحي العالمي.

وبالإضافة إلى الكاثوليك، نجد أيضاً المسيحيين البروتستانت في الولايات المتحدة الأميركية لديهم نفس الموقف المتوحِّد تجاه قضية مسيحيي الشرق الأوسط. ويظهر ذلك في دعم ويليام فرانكلين غراهام، رئيس جمعية بيلي غراهام الإنجيلية، لحملةِ الكنيسة الأُرثوذكسية الروسية والحكومة الروسية في سوريا، فيقول: “أعتقدُ أنَّ تأييد (البطريرك كيريل) للحكومة السورية يمكن أن يحمي حياة المسيحيين هناك، وقد قلتُ نفسَ الشيء في الاجتماع مع فلاديمير بوتين. لقد صاغ بوضوح وبشكلٍ مباشرٍ هدفَ العمليات الروسية في سوريا: وهو منع مؤسسات الدولة مِن الانهيار الكامل، طالما أنَّ الحكومة السورية تقف على حقوق المسيحيين. ففي حالة انهيار هذه المؤسسات، ستتفشَّى الإبادة الجماعية في البلاد، وعندها سيتم ببساطة إبادة غالبية المسيحيين الذين يعيشون في حماية النظام السوري. لذا أظنُّ أنَّ تدخل روسيا في هذه الحال سيؤدي بنا إلى حلٍّ سياسي لهذه الأزمة. وبكلِّ تأكيدٍ فالمسيحيون السوريون يستوعبون هذه المشاركة في الصراع الدائر كأسلمِ حلٍّ للنجاة بأنفسهم. كلُّ هذه الأحداث لها أهمية حاسمة، حيث تُظهر على نحوٍ بيِّنٍ إلى أي مدى يمكن أن تكون حماية أبناء الديانة المسيحية في الشرق الأوسط قوة دافعة قوية مِن تعمل على توحيد المسيحيين في جميع أنحاء العالم.

3- تبرير الحملة الروسية في سوريا للروس أنفسهم

مع كلِّ ما سبق، إلَّا أنَّ الفائدة الرئيسية مِن هذا التحالُف بالنسبة للسُلطة السياسية الروسية، أنَّه يمكنها بهذه الطريقة تبريرَ التدخل العسكري في سوريا كجهودٍ مِن أجل حماية المسيحيين المُضطهَدين. ففي الوقتِ الحالي، يعارض قطاعٌ كبيرٌ نسبياً مِن المثقفين الروس هذا التدخل علانيةً.  وفي هذه الحالة يمكن للحكومة الروسية استخدام قضية مسيحيِّي الشرق الأوسط كحُجَّةٍ قويةٍ في مواجهة الليبراليين الروس. وعلاوةً على ذلك، فإنَّ منعَ “الإبادة الجماعية للمسيحيين” في سوريا باعتباره السبب الرئيسي وراء السياسية الخارجية الروسية المُتَّبعة في سوريا؛ يبدو سبباً أكثر إقناعاً ومقبوليَّةً بالنسبة للغرب الساخط على هذا التدخل مِن الدعم الصريح لحكومة بشار الأسد الاستبدادية.

ويستند الخطاب الحالي لفلاديمير بوتين وحكومته بالأساس إلى فكرة روسيا القوية المستعصية على التدمير، برؤيتها المستقلَّة عن الغَرب للقضايا العالمية التي تؤثر على العالم الحديث، وطريقتها الخاصة في علاج هذه القضايا. وقد أعلن الرئيس الروسي عدة مرات بالفعل أنَّ روسيا لن تتخلى عن مصالحها الحيوية في الشرق الأوسط أو في أي منطقة أخرى مِن العالم، وأن قضيَّة أوضاع المسيحيين تُعَدُّ إحدى هذه المصالح. وتلعبُ هُوية الكنيسة الأُرثوذكسية الروسية دوراً كبيراً في السياسة الخارجية الروسية، بصفتِها رمزاً للقيم الثقافية المُميِّزة للشعب الروسي. وعلى وجهِ التحديد، فإنَّ الكنيسة تُعنَى بأن يرتبط غالبُ الشعب الروسي بالحضارة الأُرثوذكسية عالمياً، ومن ضمنها الأُرثوذكس العرب. وهكذا تولَّدت داخل الوعي الجمعي الروسي فكرةُ الحضارة الأُرثوذكسية وأهميتها الوجودية لحِفظ سلامة ووحدة روسيا. لتصبح حربُهم مِن أجل حماية الأُرثوذكس العرب في النهاية حرباً مِن أجل ثقافتهم وحضارتهم.

وهكذا فمِن خلال المجتمع الأُرثوذكسي تجدُ روسيا فرصتها لنشرِ ثقافتها، وخلقِ تأثيرٍ ثقافيٍّ طويل الأجل لها في سوريا. فمنذ وقتٍ ليس بعيداً، أعلن بشار الأسد أنَّ اللغة الروسية ستصبح مادةً إلزامية في مدارس سوريا. وتعتقد الحكومة الروسية أنَّ اللغة والدين معاً هما المكوِّنان الأساسيان للأمم وثقافتها. ويُعَدُّ النشاط الفعَّال إلى حد ما للجمعية الأرثوكسية الفلسطينية مصداقاً لما يمكن أن يُنجزه التأثير الثقافي، فقد تمكَّنت الجمعية مِن التغلغل إلى جميع ميادين الحياة الإنسانية في المنطقة، واستطاعت أن تقِيم علاقاتٍ قويةٍ مع عدد مِن الشخصيات والمنظمات السياسية المؤثرة مِن خلال دعم الأرثوكس في بلاد الشام والشرق الأوسط.

وبالتالي تشعر كلٌّ مِن الكنيسة الأُرثوذكسية والحكومة الروسيَّتان أنَّ تبنِّي استراتيجية “حماية الحضارة” تقع على عاتقها أمام أي شخصٍ ينتظر الحماية منهما. فبالنسبةِ لهم ولمن بدأ في تبنِّي هذا التصور مؤخَّراً (العالَم الروسي)؛ سواءُ كان هؤلاء المسيحيون في شرق أوكرانيا أو في سوريا فإنَّ الأمرَ سِيَّانٌ: فجميعهم جزءٌ لا يتجزأ من الثقافة الروسية في نظرهم. وقد صاغَ سهيل فرح، أستاذ الفلسفة بالجامعة اللبنانية، استجابةَ العرب المسيحيين الأُرثوذكس في عبارة قاطعة، فقال:”أنا على ثقة بأنَّ روسيا هي الدولة الوحيدة التي تهتم حقّاً بمصير المسيحية في الشرق الأوسط. فمع أنَّ الفاتيكان وبعض الدول المسيحية الأخرى قاوموا مِن أجل هذه القضية، إلَّا أنَّ روسيا فقط هي التي ناصَرَت الدعمَ الديني للدفاع عن مسيحيِّي الشرق الأوسط.

4- توابع الوجود الروسي في الساحة الأُرثوذكسية في الشرق الأوسط

سيكون مِن المناسب هنا استرعاءُ الانتباه إلى حقيقةٍ هامةٍ أخرى؛ كي تساعدنا على فهم السياسة الروسية فيما يتعلَّق بمسيحيِّي الشرق الأوسط في الأعوام الأخيرة، والتي يمكن صياغتها في عبارة بوتين الموجَزة “نحن لا نتخلَّى عن شعبنا”، والتي أصبحت عقيدته السياسية فيما بعد. فهذه الأطروحة التي تتخلَّل كل سياسات بوتين المحلية والخارجية ترتبط ارتباطاً مباشراً بسياسة روسيا بشأن الأزمة السورية عموماً، وتجاه مسيحيِّي الشرق الأوسط بشكلٍ خاص.

ومِن المعروف أنَّ التعاون الروسي السوري قبل انطلاق “الربيع العربي” سواء على المستوى السياسي والعسكري أو الاقتصادي؛ كان ضعيفاً جداً. فقد سعت سوريا إلى صناعة شركاء في الغرب بشكلٍ أساسي، والحفاظِ على علاقاتٍ قويةٍ مع تركيا ودول الخليج العربي. أما موسكو فلم ترَ في العلاقات مع سوريا أهمية قصوى، لكن تغيَّر موقفها تماماً على خلفية السيناريو الليبي وسقوط نظام القذافي، الذي اعتبرته موسكو بمثابة تلاعبٍ آخر بها. فقد انتشر داخل المجتمع الروسي شعورٌ عام بأنَّ روسيا اليوم لم تعُد قادرة على حماية حلفائها “التاريخيين” في مواجهة التهديدات الغربية، سواء كان سلوبودان ميلوسوفيتش في يوغسلافيا أو صدام حسين في العراق أو مُعمَّر القذافي في ليبيا. وفي الوقت نفسه، حدثَت تغييراتٌ كبيرةٌ في الحكومة الروسية، فتولَّى بوتين الرئاسة خلفاً لدميتري ميدفيدف. ومنذ ذلك الحين، يتم مقارنة الأزمة السورية بما حدث في ليبيا. لذا لم تَعُد حمايةُ نظام بشار الأسد مسألة قائمة بذاتِها، وإنما مسألةٌ شخصيةٌ تتعلَّق أيضاً بصورة الزعيم الروسي الحالي.

ونفَّذت روسيا سياسةً مماثلةً فيما يخص مسيحيِّي الشرق الأوسط. ففي مطلع هذا المقال، تناولنا اهتمامَ الحكام الروس الخاص بمنطقتين تاريخيتين مِن المستوطَنات الأُرثوذكسية خارج روسيا، وهما: البلقان والشرق الأوسط. واليوم، يمكن القول إنَّ موسكو خسرت شبه جزيرة البلقان جيوسياسياً. فهناك ثلاثة بلدان أُرثوذكسيَّة رئيسية بالمنطقة، وهي: بلغاريا وصربيا والجبل الأسود، وثلاثتُهم في تباعدٍ مستمرٍّ عن روسيا رغم الروابط التاريخية الوثيقة بينهم وبينها، ومنها وحدة الدين الأرثوكسي. ومما دعم هذا التباعد أيضاً انضمامُ بلغاريا إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2007، وإلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) في 2004، وهي الآن تضع أولويات سياستها الخارجية دون اعتبارٍ لروسيا، وهو ما أكَّده بوضوح الحادث الذي أوقف مدَّ خط أنابيب “ساوث ستريم”.

أمَّا دولة الجبل الأسود فقد اتَّخذت مسارها أيضاً في التقارب مع الغرب. ففي عام 2010 ترشَّحت للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وفي عام 2016 صدَّقت على اتفاقية للانضمام إلى حلف الناتو، والمُقرَّر تنفيذه في ربيع عام 2017 (انضمَّت بالفعل جمهورية الجبل إلى الأسود إلى الناتو). وتَعتبرُ موسكو، التي تعتمد بشكلٍ صريح على اللوبي (جماعات الضغط) الأُرثوذكسي لتمكينها مِن تنفيذ سياساتٍ مواليةٍ لها في الجبل الأسود، أنَّ سياسات بودغوريتسا (عاصمة الجبل الأسود)، ليست سوى خيانةً لروسيا. لذا فشلت روسيا في إنقاذ مصالحها في هذه المنطقة في نهاية المطاف.

وتبقى صربيا الدولة الوحيدة خارج التحالف الغربي حالياً، بَيد أنَّه مِن المنطقي الاعتقاد بأنها مسألةُ وقتِ ليس إلا، وعاجلاً أو آجلاً ستولِّي بلغراد قِبلتَها إلى الغرب. ويرجع ذلك بدرجةٍ كبيرة إلى صورةِ روسيا في أعين الصِرب، الذين لم يستطيعوا بعدُ غفران موقفها السلبي مِن “عملية قوات الحلفاء” التي شنَّها الناتو في 1999 ضد يوغسلافيا. كلُّ هذا يُضعِف بدرجةٍ كبيرةٍ مِن موقف روسيا في واحدة مِن أهم مناطق نفوذها السياسي، ولا يتركُ لها خياراً سوى المشاركة بكثافة في شئون الشرق الأوسط، ساعيةً للحفاظ على نفوذها في المنطقة  وصورتها في نظر مسيحيِّي الشرق الأوسط. وبالتأكيد، ففُقدان تأييد المسيحيين في الشرق الأوسط مِن شأنه أن يُضعِف الموقف الروسي إلى حدٍّ بعيد، مما يضع حدّاً لطموحاتها كـ”قوةٍ عظمى”.

وقد لعبت الكنيسة الأُرثوذكسية الروسية دوراً أساسياً تقليدياً في تشكيل روسيا دولةً وهُويةً، وتعاونَت بقوةٍ مع السُلطة السياسية بها، مما ساهم في إضفاء الشرعية على السُلطة في نظرِ المجتمع الروسي. لذا نجدُ أنَّ الأزمة السورية ليست استثناءً، فقد برَّرت السُلطة الروسية وجودَها العسكري في الشرق الأوسط لشعبها لا كمجرد قتالٍ، بل أيضاً ك”حربٍ مقدسةٍ” يجب على روسيا أن تقودَها لحماية السكان المسيحيين هناك. فبعد وقتٍ قصير مِن انطلاق غارات الطائرات الروسية في سوريا في أكتوبر/تشرين الأول 2015، قال بوتين في اجتماعٍ له مع الضباط الروس: “يوجد مليونَا مسيحي أُرثوذكسي في لبنان وسوريا، ونحو خمسة ملايين في أنحاء الشرق الأوسط. وبغض النظر عن نتائج انتخابات الولايات المتحدة الأميركية، فإنَّ البيت الأبيض حريصٌ على أن يعيثَ فساداً في هذه المنطقة الغنية بالنفط، مِن خلال دعم المنظمات الإسلامية المتطرفة كداعش وجبهة النُصرة”. هكذا أعلن الرئيس الروسي صراحةً عودة روسيا إلى جذورها المسيحية، مستعينةً بدورها الأصيل في “إنهاء معاناة أخوة الدين”. وقد صوَّرت السلطات الروسية وجودَها في سوريا في سياق البعث الروحي والديني الروسي في مواجهة الغرب علماني السياسة.

في نفس الوقت لا يوجد إجماعٌ بين رجال الدين المسيحيين في الشرق الأوسط حول موقف روسيا في سوريا. فمِن ناحية نجد جان كليمان جنبرت، رئيس أُسقفية حلب، يدعم التدخل العسكري الروسي صراحةً في 2015. بينما على طرف النقيض يقفُ إلياس عُودة، مطران بيروت ورئيس الكنيسة الأُرثوذكسية اليونانية أيضًا، رافضاً بوضوحٍ للضربات الجوية الروسية بمجرد انطلاقها قائلاً: “سوف لن يُبارَك هؤلاء الذين يَقتلون. لقد أدانت الكنيسة الروسية الحرب الأميركية في العراق في 2003. وها هي اليوم تؤيد حرب بوتين في سوريا مدَّعيةً أنها (حربٌ مقدَّسةٌ)”. لذلك فعندما يتعلَّق الأمر بتناول سياسة السُلطة الروسية تجاه مسيحيِّي الشرق الأوسط؛ مِن المهم إدراكُ أنَّها تعمل بالأساس كمسوِّغ للسياسات الروسية في سوريا أمام الشعب الروسي نفسه، وأمام العالم أيضاً. من هنا يمكن القول إنَّ الهدف الرئيسي مِن هذا الخطاب هو تكوين صورةٍ إيجابيةٍ لروسيا داخل البلاد، وربما بثُّها خارج البلاد أيضاً.

Related

Simple Share Buttons